ابن أبي الحديد

213

شرح نهج البلاغة

الحر ، فتراموا حتى فنيت النبال ، وتطاعنوا حتى تقصفت الرماح ، ثم نزل القوم عن خيولهم ، ومشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها ، وقام الفرسان في الركب ، ثم اضطربوا بالسيوف وبعمد الحديد ، فلم يسمع السامعون إلا تغمغم القوم ، وصليل الحديد في الهام ، وتكادم الأفواه . وكسفت الشمس ، وثار القتام ، وضلت الألوية والرايات ، ومرت مواقيت أربع صلوات ، ما يسجد فيهن لله إلا تكبيرا ، ونادت المشيخة في تلك الغمرات : يا معشر العرب ، الله الله في الحرمات من النساء والبنات ! قال جابر : فبكى أبو جعفر وهو يحدثنا بهذا الحديث . قال نصر : وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف ، وقد وضع مغفره على قربوس السرج ، وهو ينادي : اصبروا يا معشر المؤمنين ، فقد حمي الوطيس ، ورجعت الشمس ، من الكسوف ، واشتد القتال ، وأخذت السباع بعضها بعضا ، فهم كما قال الشاعر ( 1 ) : مضت واستأخر القرعاء عنها * وخلى بينهم إلا الوريع ( 2 ) قال : يقول واحد لصاحبه في تلك الحال : أي رجل هذا لو كانت له نية ! فيقول له صاحبه : وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك ! إن رجلا كما ترى قد سبح في الدم ، وما أضجرته الحرب ، وقد غلت هام الكماة من الحر ، وبلغت القلوب الحناجر ، وهو كما تراه جذعا يقول هذه المقالة ! اللهم لا تبقنا بعد هذا ! قلت : لله أم قامت عن الأشتر لو أن إنسانا يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب

--> ( 1 ) هو عمرو بن معد كرب ، من الأصمعية التي مطلعها : أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع وهي في الأصمعيات 198 - 202 ، وخزانة الأدب 3 : 462 - 463 . ( 2 ) القرعاء : جمع قريع ، وهو المغلوب المهزوم . وفي الخزانة والأصمعيات : " الأوغال " جمع وغل وهو الضعيف . والوريع : الضعيف الذي لا غناء عنده .